مقالات

حرمة الدماء ميثاق الأرض والسماء والوعي في مواجهة التحديات

بغداد 24 – متابعة

عبير عبد الوهاب

​إن المتأمل في قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما يدرك أن الرسالة تتجاوز مجرد التحذير إنها إعلان صارم بأن المساس بحياة الإنسان هو مساس بالمنظومة الكونية التي أرادها الخالق قائمة على العدل والرحمة حيث جعل سبحانه قيمة النفس الواحدة تعدل قيمة البشرية جمعاء فقال في محكم تنزيله من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا

أولاً تغليظ العقوبة في النقل والعقل

لم تجتمع خمس عقوبات مغلظة جهنم والخلود وغضب الله واللعنة والعذاب العظيم في آية واحدة إلا لبيان عظم الجرم وهذا الحزم الإلهي تؤكده السنة النبوية الشريفة فقد قال النبي ﷺ لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم وذلك لردع الفوضى ومنع الانفلات وصيانة الكرامة والتأكيد على أن دم الإنسان ليس رخيصا ولا يخضع للأهواء أو الخصومات بل هو أول ما يحاسب عليه المرء لقوله ﷺ أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء

ثانياً أثر التعدي على السلم والأوطان

عندما تهون الدماء تضيع الأوطان وتتفكك الروابط الاجتماعية وقد أكد الرسول ﷺ في خطبة الوداع هذا المبدأ حين قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا فالحفاظ على النفس مقصد ضروري وبدونه لا يمكن للعلم أن يزدهر ولا للبناء أن يستمر ولا للأجيال أن تنمو في بيئة صحية

ثالثاً الوعي في الاستراتيجية النبوية وحال الضعف

وهذا الوعي يمتد ليشمل فقه الاستضعاف وإعداد القوة فالمسلم إن كان في حال ضعف لا يقاتل لكي لا تضيع الدماء هباء ولا يرضخ لاستفزاز أعدائه الذين يريدون جره لمعركة غير متكافئة بل يعد العدة ويهيئ الأسباب كما فعل الرسول الكريم عندما كانت دعوته سرية فجمع فيها أربعين شخصا وخرج بعدها للعلنية فرغم كل ما لاقاه من أذى ومضايقات إلا أنه لم يستطع أحد استفزازه ليتخذ قرارا متهورا ولم يذهب بدماء الآخرين لتهلكة بل حفظ الأرواح وبنى القوة حتى مكن الله له

رابعاً المسؤولية الأخلاقية والوطنية

إن الوعي بحرمة الدماء يتطلب منا جميعا نشر ثقافة التسامح واستبدال لغة العنف بلغة الحوار والدبلوماسية في حل النزاعات وضبط النفس والوقوف بحزم ضد المحرضين الذين يستبيحون الأرواح تحت مسميات زائفة وإعلاء نهج القران ليكون هو الدستور الوحيد في استرداد الحقوق

​إن دم الإنسان هو البنيان الذي نصبه الله ومن يهدم هذا البنيان فقد حارب إرادة الحياة لنجعل من هذه الآيات والأحاديث والسيرة النبوية العطرة نبراسا يوجه سلوكنا اليومي لنبني مجتمعا آمنا يقدس الروح ويعلي شأن النفس البشرية فوق كل اعتبار وينتهج الحكمة في مواجهة كافة التحديات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى ازالة ايقاق الاضافة لاستخدام الموقع ، الموقع محمي