أعراس في كراكاس

بغداد 24 – العراق
بقلم هادي جلو مرعي
لم يكن هناك الكثير من الطائرات، وربما إثنتان، أو ثلاث منهن لايبدو أنهن قمن برحلات خارجية، وبينما حطت الطائرة التابعة للخطوط الجوية التركية في مطار سيمون دي بوليفار رمز الثورية في فنزويلا كانت الأمور هادئة والبحر الكاريبي أكثر هدوءا، بينما الجبال تكتسي بالخضرة وهي تتعالى الى السماء، والغيوم البيض تتهادى، وتبدو أنواع غريبة من الطيور، وأشكال من الأشجار التي بدا إنها إغتسلت بماء المطر من وقت ليس ببعيد، وتبين لي لاحقا إن السماء يمكن أن تتوشح بغيوم رمادية، ثم تهطل بغزارة، وتسيل المياه في النهر الرئيس وسط العاصمة حيث يتصل بنهر ثان، ويصب في واد عميق.
كانت الحرارة في هذا الوقت من أيلول مخادعة فالدفء يملأ المكان، والشمس متسلطة لكنها ليست حادة كالتي تركناها في بغداد.
عند مغادرة المطار الى وسط المدينة كانت ترافقنا سيارات قديمة، ودراجات نارية يستقلها شبان وشابات مسلحون مقربون من الحزب الإشتراكي الحاكم، وطوال مايزيد على العشرين كم كانت الجبال تحاصرنا، وتبدو الأشجار فيها وبيوت الصفيح في أعلاها، بينما بدت الضواحي ساحرة، وكأنني أعود في الذاكرة الى صور طبعت في الذهن عن الكاريبي والقارة الأمريكية من تلك الأفلام السينمائية التي تحكي قصة الهجرة والقراصنة، ومعارك البحار البعيدة. كان الفندق قديما لكنه فخم وجميل تحيطه الجبال من كل جانب، وتتوزع جواره الحدائق والمسابح التي أنعشتنا. نصحونا حينها أن لانخرج منفردين. لكنها فرصة قد لاتتكرر، ومع حلول المساء، ومع رائحة المطر قررت الخروج رفقة صديق سيرا على الأقدام، وكان المنتخب الفنزويلي ليلتها يلعب مباراة في تصفيات كأس العالم المؤهلة لنهائيات البطولة المشتركة في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا صيف 2026 وبينما كان الناس منشغلون بمتابعة المباراة في المقاهي وعلى ناصية كل شارع، وكانت الأجواء لطيفة وهادئة، ورائحة المطر تنتشر، ظللت أراقب لعلي أجد شيئا من رائحة الشرق، وإذا به مطعم كتب عليه بالعربية (شمس) وقررنا الدخول، لم يكن الزبائن كثر بإستثناء عائلة كبيرة من مدينة حلب السورية ،وكان هناك فتاتان تتحدثان الإسبانية، وبينما تحدثت باللهجة العراقية فوجئت بصاحبة المطعم وقد سمعتني، وكانت الصحفية والباحثة وعضو الحزب الإشتراكي البوليفاري إيزابيلا فرنجية، وبعد حوار رائق قدمت لنا أصناف الأكلات اللبنانية والمقبلات والمشروبات، وفجأة دخلت شابة كانت صديقة لإيزابيلا عرفت إنها سكرتيرة صحفية للرئيس نيكولاس مادورو الذي كنت متلهفا للقائه بعد يوم، أو يومين، حينها قلت للصحفية الشابة: إن مادورو يشبه صدام حسين. وضحكت، وردت: بالفعل هو أيضا يقول ذلك.. يإلهي ذات قوة الدلتا التي إختطفته من القصر الرئاسي، كانت مسؤولة عن البحث وإعتقال صدام حسين!!
بعد أيام نقلنا الى قاعدة عسكرية في كراكاس، وكانت هناك قاعة كبيرة، وأماكن لتناول الطعام والشراب، وبقينا ننتظر حتى وصول الرئيس مادورو الذي قوبل بتصفيق حار وتحايا من مئات الحاضرين من أوربا وآسيا وأفريقيا ويساريي العالم، عدا عن اليسار اللاتيني ومن الولايات المتحدة ذاتها وكولومبيا وتشيلي والبرازيل وبيرو والأوروغواي والبورغواي والأرجنتين وبوليفيا ونيكاراغوا وتاهيتي وهندوراس والسلفادور وغيرها من بلدان ماتزال جذوة اليسار تتوقد فيها بإنتظار المصير الذي يخطط له اليمين المتطرف في جميع قارات العالم.. تحدث مادورو مطولا عن الإمبريالية، وضرورة تكاتف الشعوب ضد الفاشية، وكان الحاضرون يرقصون ويصفقون، وكنت ألتقط الصور لمادورو ونائبة الرئيس ديلسي رودريغز الجالسة الى اليسار، بينما كان هو يتحدث وقوفا، والتي عينتها المحكمة العليا رئيسا لفنزويلا البوليفارية عقب التطورات التي حصلت مطلع 2026 وخلو منصب الرئيس.
العالم مقبل على تطورات تشبه العواصف العاتية، وكلنا في طريق الى المجهول…
أتذكر كل ذلك وأنا أعسمع لحديث إيزابيلا من كراكاس وهي تتحدث لقنوات عربية عن تطورات المشهد في الكاريبي، بينما أتابع محاكمة مادورو في نيويورك التي زرتها لمرتين، ونقشت في ذاكرتي حروفا وصورا ماتزال باقية.



