تقاريرشريط الاخبارمحلي

أمريكا، العملاء، والفساد: لماذا تنهار الدول أمام القوة الخارجية…؟

بغداد 24 – تقرير خاص


لا تتوقف الهيمنة الأمريكية المعاصرة عند حدود الاقتصاد أو النفوذ العسكري التقليدي، بل تمتد لتشمل السيطرة العميقة على القرار السياسي في الدول الغنية بالموارد، حيث تنجح واشنطن في توجيه الأنظمة بما يخدم مصالحها العالمية الكبرى.

إن المتأمل في المشهد الدولي يجد أن القوة الاقتصادية الأمريكية قامت في جزء كبير منها على استغلال ثروات الشعوب الأخرى، لا سيما النفط والمعادن النادرة، في وقت تعاني فيه تلك الدول الغنية من معضلات داخلية هيكلية يأتي في مقدمتها الفساد المستشري وانقسام المصالح، حيث تُقدّم الطبقات الحاكمة مكاسبها الشخصية على مصلحة الأوطان، مما يؤدي بالضرورة إلى هدر الموارد وإضعاف الاقتصاد الوطني أمام التدخلات الأجنبية.
وفي سياق تعزيز هذه التبعية، نجد أن غياب التخطيط طويل الأمد حال دون استثمار الموارد بشكل مستدام في مجالات الصناعة والتكنولوجيا، وهو ما ترك الباب مشرعاً أمام النفوذ الخارجي لملء الفراغ. ولم يقتصر الأمر على الثروات المادية، بل امتد لسرقة العقول؛ حيث ركزت الولايات المتحدة على استقطاب الخبرات العالمية والكفاءات من العرب والآسيويين، بينما أهملت دول الموارد تطوير كوادرها المحلية، مما أدى إلى تصدير الذكاء البشري لصالح الغرب بدلاً من بناء قوة وطنية قادرة على المنافسة والابتكار.
أما على الصعيد السياسي، فإن القوة الأمريكية تتجلى بوضوح في القدرة على تحريك الأنظمة كأدوات طيعة عبر تدخلات مباشرة وغير مباشرة في تعيين أو دعم قيادات موالية، تجعل من شاغلي المناصب أدوات تنفيذية لسياسات واشنطن بعيداً عن تطلعات أبناء البلد الحقيقيين.

ويبرز هنا دور شبكات الفساد والمحسوبية التي يتم الاعتماد عليها بدلاً من الكفاءات الوطنية، مما يضمن استمرار السيطرة على القرار الوطني والسياسة الاقتصادية، ويجعل من أي محاولة للتنويع الاقتصادي أو تحقيق السيادة السياسية معركة خاسرة أمام الضغوطات الاقتصادية والسياسية التي تفرضها القوى العظمى.
إن الخلاصة التي يمكن استنتاجها هي أن الهيمنة لا تتشكل من فراغ، بل هي مزيج بين الاقتصاد الذكي، الاستثمار في الخبرات، والتحكم السياسي عبر العملاء المحليين واستغلال الثغرات الداخلية.

وبذلك تجد الدول الغنية بمواردها نفسها عاجزة أمام هذا النفوذ طالما بقيت حبيسة الفساد وضعف الاستثمار في الإنسان. ويبقى الدرس الأهم هو أن القوة الحقيقية للدول لا تنبع من حجم ثرواتها الطبيعية وحدها، بل من نزاهة قيادتها، والاستثمار الحقيقي في الخبرات المحلية، وامتلاك قرار وطني مستقل؛ فبدون هذه الركائز، ستظل الثروات مجرد أدوات في أيدي الآخرين، وتبقى الدول عرضة للتحكم الخارجي الدائم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى ازالة ايقاق الاضافة لاستخدام الموقع ، الموقع محمي