برامجتقاريرثقافة وفنرئيسيمحليمنوعات

المقام … المسلسل الذي حوّل الدراما إلى قضية، وجعل من الصمت صرخة

بغداد 24 – العراق

أربيل –  كارلوس حنا

لم يكن المقاممجرد عمل درامي عابر في موسم تلفزيوني مزدحم، بل جاء كحدثٍ فنيٍّ واجتماعيٍّ أعاد ترتيب أولويات المشاهد، وطرح على الطاولة قضايا ظلّت لسنوات حبيسة الجدران المغلقة. منذ حلقاته الأولى، بدا واضحًا أن العمل لا يسعى إلى الترفيه بقدر ما يطمح إلى المواجهة، ولا يكتفي بالسرد بقدر ما يذهب نحو مساءلة الواقع.

المقام” لم يُعرض ليُشاهَد فحسب، بل ليُناقَش ويُختَبَر ويُستعاد. هو عمل امتلك شجاعة الاقتراب من المسكوت عنه، ومنح الصوت لمن اعتدن الصمت، فحوّل الألم الفردي إلى قضية عامة، وجعل من الحكاية الخاصة مرآة لواقع اجتماعي واسع.

أداء تمثيلي يلامس العصب الحي

أكثر ما شدّ انتباه الجمهور والنقاد على حد سواء، هو ذلك الأداء التمثيلي الذي تجاوز حدود “التمثيل” إلى حالة معايشة كاملة للشخصيات. لم يقف الممثلون أمام الكاميرا ليؤدوا أدوارهم، بل بدوا وكأنهم يعيشونها بكل تناقضاتها وانكساراتها, وجسّدت البطلة صورة المرأة المكسورة والقوية في آنٍ واحد. امرأة تحمل جراحها بصمت، لكن عينيها تنطقان بما تعجز الكلمات عن قوله. لم يكن أداؤها صراخًا مفتعلًا ولا دموعًا مستهلكة، بل انفعالًا محسوبًا بدقة، جعل كل مشهد يبدو وكأنه لحظة صدق خالص. كانت الكاميرا تقترب من ملامحها فتتكشّف طبقات من الألم والتمرد والخوف، في توازن دقيق بين الهشاشة والقوة.

أما شخصية الحماة، فقد قُدّمت بذكاء درامي لافت. لم تكن “الشريرة” التقليدية ذات البعد الواحد، بل شخصية مركّبة تحمل في قسوتها أسبابًا وتاريخًا ومخاوف. هذا التعقيد منحها واقعية صادمة، وجعل الجمهور منقسمًا بين رفض أفعالها ومحاولة فهم دوافعها. وهنا يكمن ذكاء النص: لا أحد في “المقام” أبيض بالكامل أو أسود بالكامل, وحتى الشخصيات الثانوية كان لها حضور مؤثر ومبرر درامي واضح. لم تُستخدم كحشوٍ سردي، بل شكّلت جزءًا أساسيًا من البناء العام. بدا العمل كلوحة متكاملة العناصر؛ أي حذفٍ منها كان سيخلّ بالتوازن الدقيق الذي بُني عليه المسلسل, والانفعالات جاءت حقيقية، والصراعات كانت داخلية قبل أن تكون خارجية. المشاهد الثقيلة عاطفيًا قُدّمت بميزان حساس بين القوة وعدم المبالغة، وهو ما منح العمل ثقله الفني ومنع سقوطه في فخ الميلودراما الزائدة.

نصّ يجرؤ على المواجهة

قوة “المقام” لم تكمن في الأداء وحده، بل في نصٍّ اختار أن يفتح ملفات شائكة دون مواربة. تناول قضايا اجتماعية حساسة تتعلق بالسلطة داخل الأسرة، بالصمت المفروض، وبالصراعات التي تتخفّى خلف واجهات الاحترام والتقاليد, والعمل لم يُلقِ خطابات مباشرة، ولم يتحول إلى منبر وعظي، بل اعتمد على الحكاية والحدث والشخصية ليطرح أسئلته. وهذا ما جعل رسالته أكثر تأثيرًا؛ فالمشاهد لم يُمْلَ عليه رأيٌ جاهز، بل تُرك أمام مشاهد مكثفة تدفعه للتفكير وإعادة النظر.. وهكذا تحولت الدراما من مجرد حكاية إلى مساحة نقاش عام. صار الجمهور يتساءل: من المخطئ؟ من الضحية؟ وهل الصمت خيار أم نتيجة خوف متراكم؟

أرقام مشاهدة قياسية وتفاعل غير مسبوق

منذ عرض الحلقات الأولى، تصدّر “المقام” نسب المشاهدة، وحقق انتشارًا واسعًا عبر الشاشات والمنصات الرقمية. لكن النجاح هنا لم يكن مجرد أرقام تُعلَن في بيانات صحفية، بل حالة جماهيرية واضحة انعكست في الفضاء الرقمي, وتحوّلت مشاهده المؤثرة إلى مقاطع متداولة على نطاق واسع، واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بنقاشات وتحليلات حول الشخصيات وأحداثها. آلاف التعليقات اليومية، ومشاركات واسعة من جمهور في أكثر من دولة عربية، جعلت من العمل ظاهرة تتجاوز حدود العرض التلفزيوني.

النقاد بدورهم توقفوا عند هذا الحضور اللافت، معتبرين أن “المقام” أعاد الاعتبار للدراما الواقعية الجادة، وأثبت أن الجمهور لا يزال يبحث عن عمل يحترم وعيه ويخاطب همومه.

إخراج وصورة بمستوى رفيع

الإخراج جاء واعيًا لكل تفصيل. لم تكن الكاميرا مجرد أداة تسجيل، بل عنصرًا فاعلًا في السرد. زوايا التصوير عكست الاختناق أحيانًا، والانفراج أحيانًا أخرى. الإضاءة لعبت دورًا نفسيًا واضحًا، حيث عكست حالات التوتر والانكسار، فيما جاءت الألوان محمّلة بدلالات خفية تخدم الحالة العامة, والموسيقى التصويرية عززت التوتر في اللحظات الحاسمة، دون أن تطغى على المشهد. كانت حاضرة بذكاء، ترفع الإحساس حين يحتاج، وتصمت حين يكون الصمت أبلغ, والصورة حملت طابعًا واقعيًا مشحونًا بالإحساس، ما جعل المشاهد يشعر وكأنه داخل الحدث لا خارجه. هذا التماهي بين المشاهد والعمل هو أحد أسرار نجاحه.

دراما تتحول إلى أثر

أثبت “المقام” أن الدراما حين تكون صادقة، تتحول إلى مرآة مجتمع, وحين تُقدَّم بإتقان، تصبح علامة فارقة في تاريخ الإنتاج الفني. هو عمل جمع بين الجرأة والعمق، بين الأداء القوي والرؤية الإخراجية الواعية، وأنتاجهBaghdad Media) Studios)  ,وبين النجاح الجماهيري والتقدير النقدي, ولم يكن مجرد مسلسل يُشاهَد ثم يُنسى، بل تجربة تُناقَش وتُستعاد. عملٌ جعل من الصمت صرخة، ومن الحكاية قضية، ومن الدراما فعلًا اجتماعيًا حيًا.باختصار…ليس كل مسلسل ينجح يُخلَّد، لكن بعض الأعمال تُكتب لتبقى. و“المقام” واحد من تلك الأعمال التي صنعت أثرًا لا يُمحى، ورسّخت حضورها في الذاكرة بوصفها تجربة فنية تتجاوز حدود الشاشة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى ازالة ايقاق الاضافة لاستخدام الموقع ، الموقع محمي