من ذاكرة الأجداد إلى هوية الأحفاد, رحلة الشعوب في حماية تراثها وصون ذاكرتها

بغداد 24 – البحرين

المنامة – عبدالرحمن الغانم

التراث لا يعيش إذا بقي في الكتب. وأول درس يمكن استخلاصه من تجارب الشعوب هو أن التراث لا يحيا بمجرد تسجيله على الورق. يمكننا أن نصوّر الحرفة، ونكتب تاريخها، ونضع أدواتها في المتحف، ولكن إذا لم يعد هناك من يعرف كيف يمارسها، فإننا نكون قد حفظنا شكل التراث وفقدنا روحه, ولهذا ركزت التجارب الناجحة على نقل المهارات والمعارف من أصحابها إلى الأجيال الجديدة؛ فالحرفي القديم لا يقدم للجيل الجديد معلومة فقط، بل ينقل إليه خبرة اليد، وإحساس المادة، وأسرار المهنة التي لا تستطيع الكتب وحدها أن تشرحها.

وتشير اليونسكو إلى أن التعليم الرسمي وغير الرسمي يمثلان وسيلتين مهمتين لنقل التراث الثقافي غير المادي وحمايته. وهنا تتحول المدرسة من مكان لتعليم الرياضيات والعلوم واللغات فقط، إلى مساحة لتعريف الطفل أيضاً بتاريخ مجتمعه وحرفه وفنونه وأمثاله وذاكرته المحلية, وقبل ظهور المؤسسات الثقافية والمتاحف الحديثة، كانت الأسرة هي المؤسسة الأولى لحماية التراث. كان الجد يحكي، والجدة تروي، والأب يعلّم، والأم تحفظ العادات، والأطفال يتعلمون بالمشاهدة والمشاركة. ومن خلال هذه السلسلة انتقلت الحكايات والأمثال والأغاني والوصفات وأساليب العمل من جيل إلى آخر, ولعل أخطر ما يهدد التراث اليوم ليس فقط هدم المباني القديمة، وإنما انقطاع الحوار بين الأجيال. فحين لا يسأل الشاب جده: كيف كنتم تعيشون؟ كيف كنتم تبنون بيوتكم؟ ماذا كنتم تأكلون؟ كيف كنتم تحتفلون؟ وكيف كنتم تواجهون البحر والصحراء والفقر والعمل؟ فإن جزءاً من الذاكرة يرحل مع ذلك الجيل, ولهذا فإن حماية التراث تبدأ أحياناً من سؤال بسيط: (حدثني يا جدي عن أيامكم)

التوثيق.. ذاكرة لا تموت

من أهم الوسائل التي اعتمدتها المجتمعات الحديثة التوثيق. فما كان يُحفظ في الذاكرة الشفوية أصبح يُسجل بالصوت والصورة والكتابة، وما كانت تعرفه مجموعة صغيرة من الحرفيين أصبح يوثق في سجلات وقواعد بيانات وأرشيفات, وقد جعلت اتفاقية اليونسكو حصر عناصر التراث وجردها وتحديث قوائمها جزءاً مهماً من جهود الصون، لأن معرفة ما نملكه هي الخطوة الأولى لحمايته, وهنا تظهر أهمية إنشاء أرشيف وطني للتراث يضم الصور القديمة، والوثائق، والخرائط، والتسجيلات الصوتية، والأفلام، والمقابلات مع كبار السن، وأدوات المهن القديمة، والأزياء، والأغاني، والأمثال، والحكايات، ووصفات الطعام، وأسماء الأماكن، وطرق البناء، والحرف التقليدية، وكل ما يمكن أن يساعد الأجيال القادمة على فهم حياة أسلافها, فالتراث الذي لا نوثقه اليوم قد يصبح غداً تراثاً لا نعرف عنه إلا اسمه.

المتحف.. حكاية وليست مستودعاً

المتحف الناجح لا ينبغي أن يكون مقبرة للأشياء القديمة، وإنما ينبغي أن يجعل الزائر يشعر بأن القطعة الموجودة أمامه كانت جزءاً من حياة إنسان عاش قبل عشرات أو مئات السنين, فحين يرى الزائر شبكة صيد قديمة، يمكن أن يعرف قصة الصياد الذي كان يعتمد عليها في رزقه. وحين يرى أدوات القلاف، يستطيع أن يتعرف إلى صناعة السفن والبحر والتجارة والرحلات. وحين يرى باباً خشبياً قديماً، لا يرى قطعة خشب فقط، وإنما يتعرف إلى فن العمارة والحياة الاجتماعية والذوق الجمالي لأهل المكان, وهكذا يصبح المتحف حكاية يعيشها الزائر، وليس مستودعاً للأشياء.

الإنسان قبل القطعة

أدركت الدول أيضاً أن التراث يحتاج إلى حماية قانونية ومؤسسات متخصصة. فالمباني التاريخية يمكن أن تتعرض للهدم، والقطع الأثرية يمكن أن تتعرض للسرقة والاتجار غير المشروع، والحرف التقليدية يمكن أن تختفي إذا لم تجد الدعم, ولهذا اتجهت الدول إلى إنشاء الهيئات والمتاحف والمراكز المتخصصة، وإصدار القوانين التي تحمي المواقع التاريخية والمقتنيات والتراث الثقافي, لكن هناك خطأ شائعاً في التعامل مع التراث، وهو التركيز على المنتج ونسيان الإنسان الذي يصنعه, فإذا أردنا حماية صناعة السفن التقليدية، لا يكفي أن نحفظ سفينة قديمة؛ علينا أن نحافظ على معرفة القلاف. وإذا أردنا حماية صناعة الفخار، فلا يكفي أن نضع الأواني القديمة في المتحف؛ بل علينا أن نعلم الجيل الجديد كيف يصنعها, وإذا أردنا حماية التطريز والنسيج والخياطة التقليدية، فعلينا دعم النساء والحرفيين الذين يحملون هذه المعرفة, وهكذا يصبح الحرفي نفسه جزءاً من التراث، بل ربما يكون أهم من القطعة التي يصنعها.

التراث يبدأ من الطفولة

الشعوب التي تريد أن تحمي هويتها لا تنتظر حتى يكبر أبناؤها لكي تعرفهم بتراثهم، وإنما تبدأ من الطفولة, يمكن أن يكون في المدرسة يوم للتراث، ومعرض للحرف القديمة، ومسابقات في الأمثال الشعبية، وحصص عن تاريخ المدينة، ومقابلات مع كبار السن، ورحلات إلى المواقع التاريخية، وتدريب عملي على بعض الحرف التقليدية, بهذه الطريقة يتحول التراث من مادة مملة في كتاب إلى تجربة يعيشها الطالب, وتؤكد المصادر أهمية البرامج التعليمية والتوعوية، ولا سيما الموجهة إلى الشباب، في تعزيز احترام التراث وصونه.

التكنولوجيا في خدمة الذاكرة

الشعوب التي نجحت في حماية ذاكرتها لم تغلق أبوابها أمام التكنولوجيا، وإنما استخدمتها لخدمة تراثها, فالكاميرا أصبحت وسيلة لتسجيل الحرف القديمة، والهاتف أصبح وسيلة لتوثيق الروايات الشعبية، والمنصات الرقمية أصبحت قادرة على نشر الأغاني والفنون التقليدية، وتقنيات الواقع الافتراضي يمكن أن تعيد بناء الأسواق والبيوت والمدن القديمة بصورة تفاعلية, بل إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في فهرسة الوثائق والصور، وتحويل التسجيلات الصوتية القديمة إلى نصوص، وترجمة المواد التراثية، وربط الأجيال الجديدة بتراثها, المشكلة ليست في التكنولوجيا، وإنما عندما تصبح التكنولوجيا سبباً لنسيان الذاكرة بدلاً من أن تكون وسيلة لإنقاذها.

التراث.. ذاكرة واقتصاد

استطاعت شعوب كثيرة أن تجعل من تراثها مورداً اقتصادياً دون أن تفقد أصالته. فالحرفة التقليدية يمكن أن تتحول إلى مشروع صغير، والمطبخ الشعبي إلى مطعم، والأسواق القديمة إلى وجهات سياحية، والمهرجانات الشعبية إلى مناسبات ثقافية واقتصادية.

وهنا يصبح الحفاظ على التراث مصلحة مشتركة: الدولة تحميه، والمجتمع يمارسه، والحرفي يكسب منه، والسائح يتعرف إليه، والشباب يجد فيه فرصة للعمل., لكن النجاح يتطلب التوازن؛ لأن تحويل التراث إلى سلعة تجارية بلا ضوابط قد يؤدي إلى تشويهه أو اختزاله في صورة سطحية, ومن أكثر الوسائل تأثيراً في إحياء التراث إقامة المهرجانات. ففي المهرجان يمكن أن تجتمع الموسيقى الشعبية والحرف والأزياء والطعام والألعاب القديمة والحكايات والرقصات والفنون البحرية والمنتجات التقليدية, وهنا لا يعود التراث موضوعاً أكاديمياً بعيداً عن الناس، بل يتحول إلى فرح جماعي, وهذا مهم بصورة خاصة للأطفال والشباب؛ لأن الإنسان يتذكر التجربة التي عاشها أكثر مما يتذكر المعلومة التي قرأها.

لا نحمي التراث من الناس.. بل مع الناس

لا يمكن لأي وزارة أو مؤسسة أن تحمي التراث وحدها. فالمجتمع الذي لا يشعر بأن التراث جزء من هويته لن يستطيع القانون وحده أن يحميه, ولهذا تؤكد اتفاقية اليونسكو أهمية المشاركة الواسعة للجماعات والأفراد الذين يصنعون التراث ويحافظون عليه وينقلونه إلى الأجيال, وهذه نقطة جوهرية: لا نحمي التراث من الناس، بل نحميه مع الناس, فأهل الحي يعرفون تاريخ حيهم، والحرفي يعرف أسرار مهنته، والمرأة تعرف تفاصيل المطبخ الشعبي، والبحار يعرف أغاني البحر، وكبير السن يحمل في ذاكرته تفاصيل قد لا توجد في أي كتاب, وإذا تأملنا التجارب المختلفة، نجد أن حماية التراث الناجحة قامت على مجموعة مترابطة من المبادئ: التوثيق قبل الضياع، والتعليم قبل النسيان، والمشاركة قبل الإقصاء، والدعم قبل اندثار الحرفة، والقانون قبل الاعتداء، والتكنولوجيا في خدمة الذاكرة، وتحويل التراث إلى حياة لا إلى مجرد صور قديمة, وهذا يعني أن حماية التراث ليست مسؤولية هيئة الثقافة وحدها، وإنما مسؤولية المدرسة والأسرة والإعلام والجامعة والمتحف والبلدية والحرفي والباحث والشاب.

الخليج والعالم العربي.. تراث البحر والصحراء

في العالم العربي والخليج تحديداً، نجد أن التراث ارتبط بصورة عميقة بالبحر والصحراء والبادية والمدينة والأسرة, فالتراث البحري، بما يحمله من صناعة السفن والغوص على اللؤلؤ والصيد والتجارة، ليس مجرد تاريخ اقتصادي، وإنما هو قصة كفاح الإنسان العربي في مواجهة البحر بحثاً عن الرزق, والبيت الخليجي القديم ليس مجرد بناء، بل هو تعبير عن الأسرة والخصوصية والضيافة والعلاقات الاجتماعية, والسوق القديم ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل هو ذاكرة اقتصادية واجتماعية, والأمثال الشعبية ليست كلمات متوارثة فقط، بل خلاصة تجارب أجيال طويلة, ولهذا فإن حماية التراث الخليجي والعربي يجب أن تتعامل معه باعتباره منظومة متكاملة من الذاكرة واللغة والقيم والحرف والعادات والفنون والمكان والإنسان, وقد أصبحت بعض هذه الممارسات موضع توثيق وإدراج دولي ضمن آليات اتفاقية اليونسكو للتراث غير المادي، التي تتيح للدول والجماعات تقديم عناصر التراث وإبرازها وتبادل الخبرات بشأن صونها.

حين تبقى القطعة ويختفي الإنسان

أخطر ما يمكن أن يحدث للتراث ليس أن تختفي قطعة قديمة فقط، وإنما أن تبقى القطعة بينما يختفي الإنسان الذي يعرف قصتها, قد تبقى السفينة، لكن يموت فن القلاف, وقد يبقى البيت، لكن تختفي طريقة الحياة التي جعلته بيتاً, وقد تبقى الأغنية، لكن يضيع معناها, وقد تبقى الكلمات، لكن تتوقف الأجيال عن فهمها, ولهذا فإن حماية التراث الحقيقية هي حماية المعرفة والإنسان والذاكرة قبل حماية الأشياء, ربما نحتاج اليوم إلى مشروع عربي واسع لا يكتفي بتوثيق التراث، وإنما يعمل على إعادة إدخاله في الحياة؛ مشروع يقوم على تسجيل شهادات كبار السن، وتصوير الحرفيين، وإنشاء أرشيف رقمي عربي، وإدخال التراث في التعليم، ودعم الحرفيين الشباب، وإقامة مهرجانات محلية، وإنشاء متاحف تفاعلية، وربط الجامعات بمؤسسات التراث، وتشجيع الإعلام على تقديم برامج جذابة عن الذاكرة الشعبية.

والأهم أن نعطي الشباب دوراً حقيقياً في هذا المشروع, فالشاب ليس مجرد متلقٍ للتراث؛ يمكن أن يكون حارساً جديداً له باستخدام الهاتف والكاميرا والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي, إن الشعوب التي تحمي تراثها لا تعيش في الماضي، وإنما تعرف كيف تحمل الماضي معها وهي تسير نحو المستقبل, فالتراث ليس قيداً يمنع التقدم، وإنما جذور تمنح الإنسان القدرة على الوقوف بثبات, والشجرة التي تقطع جذورها قد تبقى خضراء لبعض الوقت، لكنها تفقد قدرتها على الاستمرار. وكذلك الأمم؛ تستطيع أن تستورد التكنولوجيا، وتبني المدن الحديثة، وتدخل عصر الذكاء الاصطناعي، وتغير أنماط حياتها، لكنها إذا فقدت ذاكرتها فقدت جزءاً من شخصيتها. لقد حمت الشعوب تراثها عندما جعلته حياةً تُمارس، لا تاريخاً يُحفظ فقط؛ ومعرفةً تُنقل، لا مقتنيات تُعرض فقط؛ وهويةً تتجدد، لا ماضياً يُجمّد. وإذا بقي التراث حياً، بقيت الأمة قادرة على أن تعرف من أين جاءت، ومن تكون، وإلى أين تريد أن تمضي, وهذه هي أعظم صورة من صور الوفاء للأجداد، وأجمل هدية يمكن أن نقدمها للأجيال القادمة.

Exit mobile version