التعليم العالي في العراق بين الواقع والطموح

بغداد 24 – الديوانية
بقلم أ د الاستشاري علي أحمد العوادي
خبير في التعليم العالي
مرّ التعليم العالي في العراق بمراحل وحقب تاريخية متعاقبة تأثرت بالتحولات السياسية والاقتصادية التي شهدها البلد، في وقتٍ حرصت فيه معظم دول العالم على إبعاد التعليم العالي عن التجاذبات السياسية والشوفينية والقومية، وخصّصت له موازنات مستقلة لدعم البحث العلمي والتطوير من الناتج القومي، تُثبت سنوياً ضمن موازناتها العامة، باستثناء العراق الذي لا يزال يفتقر إلى هذا النهج الاستراتيجي.
وفق أحدث التقارير الصادرة أواخر عام 2025 وبدايات عام 2026، جرى تصنيف دول العالم من حيث الإنفاق على البحث والتطوير بطريقتين، الأولى وفق إجمالي الإنفاق بالدولار، والثانية وفق نسبة الإنفاق من الناتج المحلي الإجمالي.
في تصنيف عام 2025 من حيث إجمالي الإنفاق العالمي على البحث والتطوير، تصدرت الولايات المتحدة الأمريكية القائمة بإنفاق يُقدّر بنحو 1.07 تريليون دولار وفق تعادل القوة الشرائية، تلتها الصين بإنفاق بلغ نحو 1.05 تريليون دولار، مع توقعات بتجاوزها الولايات المتحدة في عام 2026، ثم اليابان بإنفاق بلغ 186 مليار دولار، وألمانيا بحدود 174.9 مليار دولار، وكوريا الجنوبية بنحو 139 مليار دولار.
أما من حيث نسبة الإنفاق إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهو المقياس الأهم لقياس اهتمام الدول بالبحث العلمي مقارنة بحجم اقتصادها، فقد تصدرت إسرائيل عالمياً بنسبة إنفاق بلغت 6.3%، تلتها كوريا الجنوبية بنسبة 5.2%، ثم تايوان بنسبة تقارب 4%، وجاءت الولايات المتحدة الأمريكية واليابان في مرتبة متساوية بنسبة 3.45%، فيما حلت السويد خامساً بنسبة 3.4%.
تشير حقائق عامي 2025 و2026 إلى تسجيل أبطأ نمو عالمي في الإنفاق على البحث العلمي خلال عقد كامل، حيث انخفضت نسبة النمو إلى 2.3%، فيما واصلت سويسرا تصدرها مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025 باعتبارها الأكثر ابتكاراً على مستوى العالم. وعلى الصعيد العربي، تصدرت المملكة العربية السعودية الدول العربية من حيث الإنفاق على البحث والتطوير، مسجلة نمواً بنسبة 30.4%، حيث بلغ حجم الإنفاق 29.5 مليار ريال في عام 2024، كما برزت قطر ضمن قائمة الدول المتقدمة تكنولوجياً لعام 2025.
في المقابل، لا يمكن إجراء أي مقارنة بين حجم إنفاق العراق على البحث العلمي ونظيره في دول العالم أو حتى الدول العربية، إذ تشير الإحصائيات إلى أن نسبة الإنفاق الحكومي على البحث والتطوير في العراق عام 2011 لم تتجاوز 0.02% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم صادم يعكس حجم الفجوة.
تعود أسباب هذا التراجع إلى عدم إقرار الحكومات المتعاقبة، منذ عام 2003 وحتى اليوم، موازنة مستقلة للبحث العلمي والتطوير، سواء في مجلس الوزراء أو في هيئة الرأي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي. كما تعتمد الوزارة بشكل شبه كامل على الجهود الشخصية للباحثين، حيث يتحملون جميع النفقات البحثية من حسابهم الخاص، رغم وجود قانون الخدمة الجامعية لسنة 2008 الذي نص على منح مكافأة قدرها أربعة ملايين دينار عراقي للباحث الذي ينشر بحثاً في مجلة عالمية، دون إدراك أن البحث التطبيقي القائم على التجارب العملية قد يكلّف عشرات الملايين ويستنزف راتب الأستاذ الجامعي بالكامل.
ولتوضيح ذلك، أجرى كاتب هذه المقالة أ د علي أحمد العوادي بحثاً تطبيقياً شمل ثلاث تجارب اختبارية قبلية وبعدية، بلغت كلفته خمسة آلاف دولار أمريكي، إضافة إلى كلفة المشاركة في مؤتمر عالمي في اليابان عام 2017 بلغت أربعة آلاف وخمسمئة دولار شملت رسوم المشاركة والنقل الداخلي وتذكرة السفر والإقامة والمستلزمات الأخرى، ليصل مجموع النفقات إلى تسعة آلاف وخمسمئة دولار تكفّل بها الباحث شخصياً. ورغم حصول البحث على المرتبة العشرين عالمياً كبحث تطبيقي يخدم المجتمع، لم يحظَ بأي اهتمام محلي أو حتى كتاب شكر وتقدير.
يعاني الأستاذ الجامعي من ضعف الدعم اللوجستي بشكل واضح، حيث أُلغيت حتى أبسط أشكال الدعم مثل تزويد الباحثين بكارت إنترنت شهري، كما اشترطت الوزارة صرف مكافأة الأربعة ملايين دينار بعد نشر البحث وإدراجه في المستوعبات العالمية، دون توفير أي دعم مسبق. كما لا تتوفر مختبرات مجانية داخل مؤسسات التعليم العالي لإجراء التجارب، ولا تُوفر المواد المخبرية أو الكِتّات اللازمة، ما يضطر الباحث إلى شرائها على نفقته الخاصة، رغم وجود مليارات الدنانير في صناديق التعليم داخل الجامعات والكليات والمعاهد الحكومية.
وكان بالإمكان معالجة هذا الخلل من خلال تعديل القوانين بما يسمح باستقطاع جزء مخصص للبحث العلمي أو توفير المواد المخبرية، على أن تكون نتائج البحث مملوكة بنسبة 60 أو 70% للمؤسسة الداعمة، مقابل 40 أو 30% للباحث. كما توجد في العراق براءات اختراع متميزة قابلة للاستثمار العالمي، لا سيما في المجال الطبي، ويمكن تسويقها من خلال مؤتمرات متخصصة لبراءات الاختراع، مع منح نسب عادلة من حقوق الملكية الفكرية للمخترع والمؤسسة الداعمة مالياً.
ويطرح أ د علي أحمد العوادي مجموعة من الأفكار التي من شأنها النهوض بمؤسسة التعليم العالي العراقية، أبرزها إعادة النظر بموازنة التعليم العالي وتعديل أبوابها بما يتلاءم مع الموازنة الاتحادية، وتعديل قانون صندوق التعليم العالي، وإعادة النظر بآليات اختيار القيادات الإدارية العليا في الوزارة والجامعات والكليات وفق معايير العلمية والخبرة، من خلال لجان متخصصة وامتحانات تحريرية وتقديم خطط ورؤى واضحة للمرشحين للمناصب. كما يدعو إلى منح الوزير صلاحية اختيار فريقه من الوكلاء والمستشارين ورؤساء الجامعات، ومنح رؤساء الجامعات صلاحية اختيار العمداء، والعمداء اختيار رؤساء الأقسام، مع الابتعاد عن المحاصصة والولاءات الحزبية.
ويؤكد أهمية توجه الوزارة ومؤسساتها نحو الأتمتة والطاقة النظيفة كالشمس والرياح، والعمل على تحويل الجامعات إلى مؤسسات منتجة لا مستهلكة، والتخلي عن الأساليب الكلاسيكية والروتين القاتل في المخاطبات الرسمية، وصولاً إلى بناء دولة مؤسسات حقيقية بعيداً عن منطق المحاصصات، ليكون التعليم العالي ركيزة نهوض العراق وازدهاره.
أ د الاستشاري علي أحمد العوادي
قاضي تحكيم جامعات العالم
عضو اللجان العلمية للمؤتمرات العالمية في اليابان والولايات المتحدة الأمريكية




