شريط الاخبارعربي ودوليمنوعات

بقلم بغداد 24.. المروءة العربية من الأنفة الجاهلية إلى التهذيب الإسلامي: قراءة في فلسفة الأخلاق والغيرة

بغداد 24 – متابعة

​تفتح وكالة “بغداد 24” ملف الوعي التاريخي لتقرأ في صفحات الشخصية العربية التي تميزت بخصائص فريدة جعلت من الخصومة والعداء ميداناً لا يقل شرفاً عن ميادين السلم، حيث تبرز “المروءة” كعنصر جوهري صمد في وجه التحولات الكبرى.

إن المتأمل في سيرة أشد خصوم الإسلام، كأبي جهل، يجد تلازماً غريباً بين كفره وعناد العقيدة وبين التزامه الصارم بأعراف المروءة والغيرة العربية، وهي مفارقة تفسرها طبيعة العربي الذي كان يرى في سمعته الشخصية وكرامة قبيلته حصناً لا يمكن تجاوزه حتى في ذروة الصراع. فالعربي القديم لم يكن يتحرك وفق رغباته المجردة، بل كان محكوماً بسلطة “العيب” وخوفاً من أن تُؤثر عنه نقيصة تلازمه وتلازم نسله، وهو ما جعل أبا جهل يرفض اقتحام بيت النبي ﷺ ليلة الهجرة، ليس احتراماً للرسالة، بل ترفعاً عن أن يتحدث العرب بأنه روع بنات عمّه أو انتهك حرمة البيوت، ليضع بذلك حدوداً أخلاقية للعداوة تفتقر إليها الكثير من الصراعات المعاصرة.

​إن هذه الغيرة العربية المتأصلة كانت تمثل النظام القيمي الذي يحفظ توازن المجتمع قبل القوانين والتشريعات، حيث كان الكرم وحماية الجار والصدق والترفع عن الغدر صفات لا تقبل القسمة على انتماء ديني أو سياسي.

وعندما بزق فجر الإسلام، لم يأتِ ليهدم هذا البناء الأخلاقي، بل جاء بعبقرية الرسالة ليتمم مكارم هذه الأخلاق وينزع عنها ثوب المفاخرة القبلية الجوفاء، محولاً إياها إلى عبادة وقيم إنسانية عالمية.

ومن هنا تبرز أهمية الوعي بهذا الإرث، فالمروءة ليست مجرد تاريخ يروى، بل هي هوية تدعو الإنسان للترفع عن الدناءات في الخصومة والسمو بالغيرة لتكون حماية للمجتمع لا أداة للتسلط.

إن ما نحتاجه اليوم هو استعادة تلك الروح التي تجعل من “الكلمة” عهداً ومن “المروءة” دستوراً، لنفهم أن القوة الحقيقية تكمن في ضبط النفس عند المقدرة والالتزام بفروسية الأخلاق حتى مع المخالفين، ليبقى العرف العربي الأصيل سياجاً يمنع السقوط في فوضى القيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى ازالة ايقاق الاضافة لاستخدام الموقع ، الموقع محمي