شريط الاخبارعلوم وتكنولوجيا

من الجدران إلى الصمود استراتيجية البقاء في عصر الأزمات السيبرانية

​بغداد 24 – العراق

عبير عبد الوهاب

​تحول الفضاء السيبراني خلال العقد الأخير من مجرد ساحة لتبادل البيانات الرقمية إلى ميدان صراع سياسي واقتصادي فائق التعقيد ولم تعد الهجمات الإلكترونية تقتصر على برمجيات خبيثة تهدف لتعطيل الشاشات أو طلب الفدية بل تحولت إلى أسلحة استراتيجية قادرة على إحداث دمار مادي ملموس وشل قدرات مؤسسات ودول بأكملها

شكل اكتشاف سلاح ستوكس نت Stuxnet نقطة تحول تاريخية في مفهوم الحروب السيبرانية إذ أثبتت هذه الحادثة أن الأوامر الرقمية يمكن أن تسفر عن كوارث فيزيائية على أرض الواقع ومن خلال استهداف أنظمة التحكم الصناعية وتدمير أجهزة الطرد المركزي أظهر هذا الهجوم كيف يمثل الخداع والسرية مضاعفا حقيقيا للقوة الاستراتيجية بعيدا عن مجرد سرية البيانات أو اختراقها

تعتمد المؤسسات المعاصرة على شبكات معقدة من الموردين والبرمجيات المفتوحة المصدر وهو ما يفرز تحديا أمنيا جديدا يتعلق بمدى موثوقية هذه الأدوات وبيّنت الاختراقات الواسعة مثل SolarWinds وثغرة Log4j أن المهاجمين باتوا يستهدفون نقاط الرافعة المالية عبر اختراق منصة واحدة أو مكتبة برمجية فرعية للوصول إلى آلاف الأهداف الحيوية حول العالم مما يضع مفهوم الثقة الرقمية تحت مجهر المراجعة الشاملة

تؤكد دراسات الحالة للأزمات الكبرى ومنها هجوم NotPetya أن تعثر المؤسسات في مواجهة الهجمات لا يعود دائما إلى نقص التقنيات الدفاعية بل ينجم عن غياب التنسيق الاستراتيجي فمواجهة التهديدات الحديثة لم تعد مسؤولية الأقسام التقنية وحدها بل تتطلب سيمفونية مشتركة تجمع العمليات والاستخبارات والمطورين وفرق الإدارة عبر دليل لعب Playbook متعدد الوظائف يحدد بدقة صلاحيات فصل الأنظمة المصابة وإدارة التواصل المؤسسي

تتميز الأزمات السيبرانية بضغط زمني هائل يضع الإدارات التنفيذية أمام تحدي اتخاذ قرارات بملايين الدولارات بناء على معلومات غير مكتملة وفي هذا السياق تبرز أهمية رأس مال السمعة كمحدد أساسي للصمود إذ تشير التجارب الدولية مثل تجربة شركة نورسك هيدرو Norsk Hydro إلى أن تبني الشافية المطلقة ورفض الانصياع لابتزاز قراصنة الفدية يحمل كلفة مالية باهظة على المدى القصير لكنه يمنح المؤسسة صمودا استراتيجيا وموثوقية مستدامة على المدى البعيد

تتطلب البيئة الأمنية الراهنة الانتقال من عقلية الدفاع التقليدية القائمة على بناء جدران سميكة إلى ثقافة افتراض الاختراق والتركيز على الصمود ويقوم هذا التحول على ثلاث ركائز أساسية تبدأ بتقليص قطر الانفجار لمنع انتشار التهديد داخل الشبكة مرورا بخفض متوسط وقت الاستجابة والتعافي واستعادة العمليات الحيوية وصولا إلى الاتصال الشفاف الذي يوازن بين الحقائق التقنية وإحاطة الجمهور لضمان الاستقرار المؤسسي ونيل ثقة الرأي العام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى ازالة ايقاق الاضافة لاستخدام الموقع ، الموقع محمي