هل يمكن تعديل الدستور العراقي؟ قراءة في الجمود الدستوري والحاجة للإصلاح..

هل يمكن تعديل الدستور العراقي؟ قراءة في الجمود الدستوري والحاجة للإصلاح
..
بقلم الباحث القانوني علي التميمي
..
يعد الدستور العراقي لسنة 2005 من الدساتير الجامدة وليس المرنة، وهذا يعني من الناحية الفقهية أن إجراءات تعديله ليست سهلة ولا تخضع للأغلبية البسيطة، بل تتطلب آليات طويلة ومعقدة رسمها الدستور نفسه. وقد عالجت مسألة التعديل مادتان محوريتان هما المادة 142 والمادة 126، وبينهما ترابط وثيق أكدته المحكمة الاتحادية العليا
فقد قضت المحكمة الاتحادية بقرارها المرقم 54 / اتحادية / 2017 بأن تطبيق المادة 142 هو الأساس والمدخل الإلزامي لأي تعديل دستوري. هذه المادة التي كان من المفترض أن تطبق خلال الأشهر الأربعة الأولى من تشكيل أول برلمان منتخب، نصت على تشكيل لجنة برلمانية تتولى اقتراح التعديلات الضرورية على الدستور. وبالفعل شكلت تلك اللجنة وقدمت تقريرها المتضمن تعديل نحو خمسين مادة، إلا أن هذا التقرير جمد ولم يعرض على الاستفتاء حتى اليوم.
أما الآلية الإجرائية للتعديل فتتطلب أولا موافقة البرلمان على تلك التعديلات بالأغلبية المطلقة، أي نصف العدد الكلي لأعضاء المجلس زائد واحد بعد تحقق النصاب، ثم يعرض التعديل على الشعب في استفتاء عام، ولا يعد نافذا إلا إذا وافق عليه نصف المصوتين زائد واحد، شريطة ألا يعترض عليه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات. وهذا القيد الأخير هو ما يعرف بفيتو المحافظات، وهو ما يجعل تعديل الدستور العراقي من أصعب عمليات التعديل الدستوري في العالم.
وفيما يخص المواد التي باتت بحاجة ماسة للتعديل، ففي مقدمتها شكل النظام السياسي برمته. إن التجربة العملية للسنوات الماضية أثبتت أن النظام البرلماني الحالي بآلية الكتلة الأكثر عددا أنتج أزمات متكررة في تشكيل الحكومات وتعطيلا طويلا لمصالح الدولة. لذا فإن التحول نحو النظام الرئاسي يعد خيارا أفضل وأنسب للواقع العراقي، لأنه يحسم مصدر الشرعية عبر الانتخاب المباشر وينهي جدلية التكليف.
ويبقى هناك خيار ثالث أكثر واقعية وهو النظام المختلط على غرار التجربة الفرنسية، حيث ينتخب رئيس الجمهورية انتخابا مباشرا من الشعب وتكون له صلاحيات واسعة وحقيقية، في حين ينتخب رئيس الوزراء من داخل البرلمان ويكون مسؤولا أمامه. هذا النظام يجمع بين استقرار الرئاسة ومرونة العمل البرلماني وقد يكون هو الصيغة الأكثر ملاءمة لتجاوز الانسداد السياسي في العراق.
ومن بين المواد التي لم تعد قابلة للاستمرار بصيغتها الحالية المادة 140 المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، والتي انتهت مدتاها الدستورية منذ عام 2007 وبقيت دون حسم، مما خلق فراغا قانونيا وسياسيا مستمرا يتطلب معالجة دستورية جديدة وواقعية. كذلك المادة 73 المتعلقة بصلاحيات رئيس الجمهورية، فمن الضروري إعادة النظر بها جذريا وتوسيع صلاحيات الرئيس ليكون ضامنا فعليا للدستور وحكما بين السلطات وليس مجرد منصب تشريفي. كما أن شكل البرلمان وآلية تمثيله وعدد أعضائه بحاجة إلى مراجعة شاملة بما يضمن الفاعلية التشريعية ويقلل من الترهل.
إن خلاصة القول إن أي حديث عن تعديل الدستور خارج إطار تفعيل المادة 142 يعد حديثا غير ذي جدوى قانونية. الطريق الدستوري الوحيد والصحيح يبدأ بإعادة إحياء تقرير لجنة التعديلات الجاهز منذ عام 2009 وعرضه على البرلمان والشعب للاستفتاء، وبغير ذلك سيبقى الدستور جامدا بجمود واقعه السياسي.



