ثقافة وفنمحليمنوعات

في ذكرى الشاعر الأممي الكبير أحمد دلزار..  قرن من الإبداع والنضال الإنساني

بغداد 24 – العراق

أربيل – دلير إبراهيم

في ذكرى الشاعر الأممي أحمد دلزار، نستحضر سيرة استثنائية امتدت على مدى قرن، اختلطت فيها الكلمة بالموقف، والشعر بالعمل النضالي. لم يكن دلزار مجرد شاعر يخطّ القصائد، بل كان صوتاً حياً لقضية، ووجداناً نابضاً حمل آلامه وآماله عبر محطات من السجون والمنافي. وبين قسوة الواقع وجمال الكلمة، صنع لنفسه مكانة راسخة في الذاكرة الثقافية، بوصفه أحد الذين حوّلوا الأدب إلى فعل مقاومة، والنضال إلى قصيدة لا تنتهي.   مع مرور سنوات على رحيله، تعود الذاكرة الثقافية لاستحضار سيرة شاعر استثنائي، عاش أكثر من قرن من الزمن، حافلاً بالإبداع والتجربة والمعاناة والنضال، تاركًا وراءه إرثًا غنيًا من الشعر والمواقف الإنسانية باللغتين الكردية والعربية.  

في العاشر من نيسان عام 2021، وبمشاركة جماهيرية واسعة، شيّعت جماهير كردستان، في مشهد مهيب، الشاعر الأممي الكبير أحمد دلزار إلى مثواه الأخير في قضاء كوية (كويسنجق). لم يكن ذلك اليوم مجرد وداع لشاعر، بل كان وداعًا لقامة ثقافية ونضالية كبيرة، طبعت بصمتها في تاريخ الأدب الكردي والإنساني على حد سواء.

النشأة والتكوين

وُلد الشاعر أحمد مصطفى محمد الحويزي، المعروف باسم “أحمد دلزار”، عام 1920 في مدينة كوية (كويسنجق)، إحدى الحواضر الثقافية المهمة في كردستان. نشأ في بيئة اجتماعية وثقافية محافظة، حيث تلقى تعليمه الأولي في الكتاتيب، فحفظ القرآن الكريم وتعلّم مبادئ اللغة والدين. لاحقًا، واصل تعليمه في المدارس الابتدائية والمتوسطة في مدينته، قبل أن ينفتح على آفاق أوسع من خلال مشاركته في دورات ثقافية خارج الوطن، الأمر الذي ساعده في تكوين شخصية فكرية متعددة الأبعاد، جمعت بين التراث والمعاصرة، وبين الثقافة المحلية والانفتاح على العالم.

بدأ أحمد دلزار كتابة الشعر في سن مبكرة، متأثرًا بالواقع الاجتماعي والسياسي الذي عاشه، وبحركة النهضة الأدبية في العراق. كتب قصائده باللغتين الكردية والعربية، ما جعله جسراً ثقافياً بين اللغتين، وساهم في إيصال صوته إلى جمهور أوسع. تميّزت قصائده بالبعد الإنساني العميق، وبالاهتمام بقضايا الحرية والعدالة والهوية، فضلاً عن حضور واضح للحنين إلى الوطن، وهو ما شكّل سمة بارزة في نتاجه الأدبي. وفي عام 1959، انضم إلى اتحاد الأدباء العراقيين، الذي كان يرأسه آنذاك الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، حيث أصبح عضوًا فاعلًا ومؤثرًا. كما تم انتخابه عام 1970 عضوًا في الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء الكورد، ما يعكس مكانته المرموقة في الوسط الثقافي.

تجربة الحرب العالمية الثانية والتحولات الكبرى

شكّلت الحرب العالمية الثانية محطة مفصلية في حياة دلزار، حيث التحق بالخدمة العسكرية بين عامي 1943 و1946 ضمن صفوف الجيش الليفي البریطاني، في السرية الثامنة الكوردستانية. تنقل خلال هذه الفترة بين عدة مناطق، منها الحبانية وبغداد والزبير والشعيبة. وفي نهاية عام 1944، انتقل مع وحدته إلى فلسطين، حيث وصل إلى ميناء حيفا، قبل أن يتوجه إلى مناطق مختلفة، منها قرية قسطينة، ثم إلى مدينة يافا، التي ستترك أثرًا عميقًا في حياته وتجربته الشعرية.

يافا وإذاعة الشرق الأدنى: تجربة مفصلية

في يافا، التحق دلزار بالقسم الكردي لإذاعة الشرق الأدنى (Near East Broadcasting Station)، التي كانت تُدار من قبل وزارة الخارجية البريطانية. وكان القسم الكردي يُعرف باسم “راديو كردستان”، ويشرف عليه الشاعر الكردي الكبير عبدالله كوران. هناك، التقى دلزار بالشاعر الكبير كوران للمرة الأولى، لتنشأ بينهما علاقة صداقة وتعاون فكري وأدبي. وقد شكلت هذه المرحلة نقطة تحول مهمة في مسيرته، حيث انخرط في العمل الإعلامي والثقافي، واطلع على تجارب شعوب أخرى، وخاصة الشعب الفلسطيني.

فلسطين في ذاكرة دلزار

لم تكن إقامة دلزار في فلسطين مجرد محطة عابرة، بل تجربة إنسانية عميقة، عاش خلالها تفاصيل حياة الشعب الفلسطيني ونضاله من أجل الحرية والاستقلال. تنقل بين مدن مثل يافا وبيت لحم وطولكرم، واحتك بالمجتمع الفلسطيني عن قرب.

وقد انعكست هذه التجربة في كتاباته، حيث عبّر عن تضامنه مع القضية الفلسطينية، وكتب قصائد تحمل مشاعر إنسانية صادقة، جعلته يُعرف بـ “الشاعر الأممي”، الذي لم يحصر اهتمامه بقضية شعبه فقط، بل انفتح على قضايا الشعوب الأخرى.

علاقة وطيدة مع فلسطين وتمثّلها في الصداقة مع السفير نظمي حزوري

برزت في السنوات الأخيرة من حياة الشاعر أحمد دلزار علاقة إنسانية وثقافية مميزة جمعته مع السفير نظمي حزوري، القنصل العام لدولة فلسطين في إقليم كردستان، حيث شكّلت هذه العلاقة امتدادًا طبيعيًا لارتباط دلزار العميق بالقضية الفلسطينية منذ شبابه.  وقد عبّر حزوري في أكثر من مناسبة عن اعتزازه بهذه العلاقة، مؤكدًا أن دلزار لم يكن مجرد شاعر، بل كان صوتًا إنسانيًا منحازًا لقيم الحرية والعدالة، ومناصرًا صادقًا لنضال الشعب الفلسطيني. كما أشار إلى أن الشاعر ظل، حتى سنواته الأخيرة، يحمل محبة خاصة لفلسطين، ويعبّر عن أمله الدائم في أن ينال شعبها حريته واستقلاله.

وتعكس هذه العلاقة عمق البعد الأممي في شخصية دلزار، حيث لم تنحصر اهتماماته في قضايا شعبه فحسب، بل امتدت لتشمل قضايا الشعوب الأخرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي احتلت مكانة خاصة في وجدانه وأدبه. وأصدرت القنصلية العامة لدولة فلسطين في أربيل بيانا أكدت فيه أن دلزار كان صديقا لفلسطين، وكتب عنها وعاش تفاصيلها.

النضال السياسي والسجون والمنافي

بعد انتهاء الحرب، عاد دلزار إلى كوردستان، لينخرط في العمل السياسي منذ أواخر الأربعينيات. وقد دفع ثمن مواقفه، حيث قضى سنوات طويلة من حياته متنقلاً بين السجون والمعتقلات والمنافي. ورغم هذه الظروف القاسية، لم يتوقف عن الكتابة والإبداع، بل كانت تلك التجارب مصدر إلهام لأعماله، التي جسدت معاناة الإنسان وصموده. كما واصل تطوير نفسه علميًا، فحصل على دبلوم عالٍ في التاريخ والفلسفة والاقتصاد السياسي والحركة العمالية العالمية من العاصمة البلغارية صوفيا، ما أضاف بعدًا فكريًا عميقًا إلى تجربته الأدبية. انخرط في العمل السياسي منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي، وقضى سنوات طويلة في السجون والمنافي. كما حصل على دبلوم عالٍ من صوفيا في مجالي الفكر والتاريخ.  كان أحمد دلزار شخصية وطنية مخلصة، كرّس حياته لخدمة شعبه وقضيته، وكان رفيقاً ومشاركاً للشاعر دلدار، مؤلف نشيد “أي رقيب” (Ey Reqib)، الذي يُعد من النصوص الخالدة في الأدب الكردي. وقد أسهم دلزار في إثراء الأدب واللغة الكردية من خلال إنتاجه الأدبي والفكري الغني، الذي ترك أثراً بارزاً وسدّ فراغاً مهماً في المكتبة الثقافية الكردية.  كما كان الراحل مناضلاً مؤمناً بقضية شعبه، وظل يحمل الأمل بالحرية والخلاص حتى آخر أيام حياته، إذ كتب قصيدته الأخيرة في 15 آذار/مارس 2021، بعد مسيرة نضالية امتدت لأكثر من قرن.

إرث أدبي خالد

ترك أحمد دلزار إرثًا غنيًا من القصائد والدواوين، التي تُعد من أبرز ما كُتب في الشعر الكردي الحديث. وقد تميزت أعماله بالجمع بين الرمزية والواقعية، وبين العاطفة والفكر.  ومن أبرز قصائده، قصيدة “دل ودلزار (القلب ودلزار)” التي كتبها في فلسطين عام 1945، والتي جاءت على شكل حوار رمزي بين الشاعر وقلبه، معبّرة عن الحنين العميق إلى الوطن، وتُعد نموذجًا متقدمًا في الشعر الرمزي الكردي.

دعوات لتخليد اسمه

في سياق استذكار مسيرته، دعا عدد من المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي ومن بينهم الناشط المدني (سوران عبدالرحمن تاودر) إلى ضرورة تكريم الشاعر الراحل، من خلال إطلاق اسمه على أحد شوارع أربيل، وإنشاء متحف خاص يوثق حياته وأعماله، تقديرًا لدوره الكبير في خدمة الأدب والثقافة.

شهادات ورثاء

أثارت وفاة دلزار موجة واسعة من الحزن، حيث نعاه العديد من القادة والمسؤولين والمثقفين. وأكدوا في كلماتهم أنه كان رمزًا من رموز الأدب الكردي، وأنه قدّم خدمات جليلة للشعر والثقافة. كما أشادت القنصلية الفلسطينية في أربيل بعلاقته العميقة مع القضية الفلسطينية، ووصفتْه بأنه صديق حقيقي لفلسطين، عاش بين شعبها وكتب عنها بصدق.

خاتمة

رحل أحمد دلزار جسداً، لكن أثره بقي ممتداً في الوعي الجمعي، وفي كل كلمة كُتبت دفاعاً عن الحرية والكرامة. لقد أثبت أن الشاعر يمكن أن يكون أكثر من راوٍ للحلم، بل شريكاً في صناعته. وفي ذكراه، لا نؤبّن غيابه بقدر ما نحتفي بحضوره المتجدد في ضمير شعبه، حيث يظل صوته شاهداً على أن النضال الحقيقي لا يموت، بل يتحوّل إلى إرثٍ إنساني خالد.

لم يكن أحمد دلزار مجرد شاعر، بل كان مشروع إنسان وقضية. جمع بين الكلمة والموقف، وبين الإبداع والنضال، ليصبح أحد أبرز رموز الثقافة الكردية الحديثة. سيبقى اسمه نبراساً في ذاكرة الأدب، وفي وجدان كل من آمن بالكلمة الحرة، وبحق الشعوب في الحرية والكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى ازالة ايقاق الاضافة لاستخدام الموقع ، الموقع محمي